بسم الله الرحمن الرحيم
أحوال الملامية والقلندرية في الأناضول
وإن يممت جهة الأناضول بحثا في تاريخ الملامية هناك وجدت كثرة کاثرة منهم ومن أصناف المبتدعة، أما أشدهم ضلالا وهم الوجودية فتلك البلاد مرتعهم، وهي دون شك كانت من أماكن الفترات التي قلت فيها آثار النبوة بها حتى قبل دخول دولة سلاجقة الروم تحت حكم المغول وإلى أوائل القرن العاشر الهجري.
كان الوجودية متوافرين في الروم (الأناضول) كما شهد بذلك شاهد من أهلها، هو: سراج الدین مسافر القيصري (ت856 هـ ) الذي خالط المشتغلين بكلام ابن عربي في الأناضول وغيرها، ووجد كثيرا منهم زائغا يتستر بالتأويل ظاهرا وهو في الباطن غير مؤول ، بل يعتقد ما هو أقبح الكفر، كما أنه وجد بعضهم غالطا ، وكان دأبه التحذير من الفكر الوجودي ولاسيما مع القادمين من الأناضول .
ورغم وجود وحدة الوجود في البلاد العربية أيضا ولكنها بعدما نسفت على يد شيخ الإسلام ابن تيمية وأتباعه انتشر إنكارها عند كثير من علماء الشريعة من أهل المذاهب الأربعة في مصر والشام وما إليهما أكثر مما كان الوضع عليه من قبل ، وعاد كل من هذر بإلحاد من هذه الفلسفة يلقى الرد سريعا إما بسيف أو بكتاب.
وليس الوضع هكذا في بلاد الروم ( تركيا ) يومئذ ، ولما كان هذا معلوما لأنصار هذا المذهب في مصر مثلا :
1 - نجد أن الوجودي الكبير الملا الفناري (ت 834 هـ ) لما قدمها زائرا بدعوة رسمية من السلطان المملوكي، نُصِحَ من قبل من اعتنى بأمره في مصر بأن يكتم كلام الوجودية طوال إقامته بها وعند مباحثاته مع علمائها ، ومع كون أنصار الشريعة من الأئمة بها على علم بأن الفناري نصير هذا المذهب في بورصا عند العثمانيين وكانت له دروس في إقراء دستور الوجودية (الفصوص)، فإنهم جاملوه كما جاملهم لمكانته عند العثمانيين .
2 - ووجد منهم بدر الدين ابن قاضي السماونة (ت۸۲۳ هـ )، والحاج بایرام (ت۸۳۳هـ ) المدفون بأنقرة، وغيرهم من أئمة الوجودية.
فأما ابن قاضي السماونة، فقد قتله العثمانيون لخروجه عليهم ، وغضبت عليه كثير من الصوفية لأنه بالغ في كشف الغطاء عن الإلحاد الوجودي أكثر من المطلوب ، والمطلوب عندهم أن يكون الكلام مرموزا يقبل التأويل ، مراعيا لعقول العامة التي تحب ظاهر الشرع، وباختصار من القول: لأنه باح بالسر .
من ذلك أنه ادعى النبوة أمام أتباعه علنا، بحيث علمهم أن يقولوا: "لا إله إلا الله بدر الدين رسول الله" . وكان عليه أن يحذو حذو كبار الصوفية في هذه الدعوى من أمثال ابن عربي، والجلال الرومي حين يلقون القول يحتمل التأويل
3 - أما الحاج بایرام الوجودي الملامتي فَسَلِمَ إذ لم يكن همه التملُّك ، بل كان همُّه نشر الفكر الوجودي الملامي في أرجاء الأناضول فتملَّك بعد ذلك من يحمل فكره ، وكثر أتباعه الذين عرفوا بالبایرامية الملامية أشهرهم آق شمس الدين شيخ السلطان محمد الثاني ( الفاتح )
قال عبد الباقي کولپینارلي عن هؤلاء: (( لم يكونوا كباقي المنتسبين إلى الطرق الذين يقولون بوحدة الوجود باحتراز، وبخاصة أمثال الإمام الرباني، وعلاء الدولة، ممن يضعون بتأويلها إلى وحدة الشهود، بل كانوا يتبعون في هذه الفلسفة محيي الدين بن عربي، ويظهرون ذلك ويعلنونه، فما كان في الطرق الأخرى من کشف لهذا السر باحتراز وتوقٍّ، وبعد انقضاء زمن طويل من المجاهدة وتلاوة الأسماء نهاية كانت البداية عند السالكين الملاميين ))
4 – وظهر لاحقا قطب من أقطاب هذه الطريقة الملامية يعرف في المصادر العثمانية ب (أوغلان شیخ) أو إسماعيل معشوقي، وهو شاب يافع تقول المصادر إنه شديد الجمال فمن ثم لقبوه (أوغلان شیخ) وتعني: الشيخ الغلام. يمكن أن يوصف هذا الملامي الوجودي بالتلمساني الثاني، وذلك لإباحيته الناتجة من عقيدته
ولما أقبل إلى عاصمة الدولة العثمانية تكاثر مريدوه بها، وبلغ صيته إلى طبقات من العسكر، فكان قبض عليه وعقدت له مجالس طويلة لمحاكمته انتهت بالحكم بإعدامه سنة 945هـ بميدان عام
وكشفت المصادر ومنها السجلات الشرعية العثمانية أن هذا الملامي الوجودي كان يقول بأمور كلها صادرة من منطلق عقده ، فمن تلك : أن الإنسان قديم، وأن ما قالت الشريعة بحرمته حلال عنده، وأن الزنى والسدومية (عمل قوم لوط) لا بأس بهما، وأنهما من لذائذ العشق، وأن لا حساب ولا سؤال في قبر، وأن كل شخص هو الله وأنه المشاهد في كل صورة
ولاحظ أن العثمانيين حاربوا هؤلاء لتصريحهم بالأمر وعدم إخفائهم له أما لو كانوا يوارون أفعالهم كما ذكرنا سابقا لتم تركهم
5 - وهناك حمزة بالي البوسنوي عرف أتباعه بالإباحة ونبذ ظاهر الشريعة ، فناله وجمع من مریدیه ما نال قطبهم إسماعيل معشوقي وذلك سنة 969هـ . وقد كان لعلماء البوسنة فضل في محاربة هذا الرجل ومن تبعه ، والتقليل من فتنته ، منهم بالي بن يوسف البوسنوي (ت۹۹۰هـ) الذي أدى المطلوب منه من قبل العلماء في اسطنبول، وعاونه القاضي حسن كافي الأقحصاري (ت 5 ۱۰۲ هـ) فأقاموا حد الردة على غير واحد من (الحمزویین الملامية ).
ولاحظ هنا
قال کولپینارلي في تعليل إعدام حمزة المذكور : (( يفهم أنه قد أظهر خبيء أسرار وحدة الوجود بتصريح وإيضاح کامل مثل إسماعيل معشوقي ))
ثم قال : (( والخلاصة إن الحمزويين لم يكونوا كباقي أرباب الطرق الصوفية يقولون بوحدة الوجود خائفين مرعوبين، بل كانوا يقبلونها بجميع وضوحها حتى إنهم كانوا فدائييها المجاهرين بها ))
إذا فالإشكال ليس في قضية وحدة الوجود إنما في المجاهرة والتصريح بكل ما فيها مع المجاهرة وإباحة الإباحية
6 - و محمد نور العربي الملامي (ت ۱1۳۰ هـ) كان على درجة كبيرة من الإعلان والوضوح في عرض الوجودية ومن أبرز مریدیه: محمد کمال الدین المعروف بحریري زاده (ت۱۲۹۹هـ) صاحب (التبيان)، مات هذا المريد وهو في الثانية والثلاثين من عمره، وقد أخذ منه الطريقة صاحب کتاب (عثمانلي مؤلفلري)وهو محمد طاهر البرصوي (ت ۱۳۹۳ هـ) وهو دون العشرين سنة من العمر، وأدرك نور العربي في بعض مدن البلقان فسلكه هو أيضا ، وكانت بينه وبين كمال أتاتورك صلات مودة، ومع هذا قال عنه زاهد الكوثري: (( صديقنا المغفور له، الأستاذ طاهر بك البروسوي ))
Tidak ada komentar:
Posting Komentar