بسم الله الرحمن الرحيم
خفراء القلندرية للمغول
الخفير الشاعر جلال الدين الرومي :
جلال الرومي في مدينة حلب فما سبب ذلك :
كان الجلال يختفي عن أنظار مريديه وأهل بيته أياما، فقد اختفى مرة في رمضان كله، حتى عثروا عليه داخل بئر معطلة، فزعم لهم أنه كان معتكفا فيها
ومن قوي الاحتمال أن إطالته الوقوف في نافلة حين حضر صلاة جمعة حتى انتهت الصلاة، وانصرف الناس إلى بيوتهم، وهو لم يركع بعد إنما كان تمهيدا لاختفاءاته، ليقال : لعله يتعبد في موضع ما آخر
( بمعنى أن جسده بقي لهم وطارت روحه تسيح )
ومن ذلك اختفاؤه أربعين ليلة، لم يعلم أقرب المقربين إليه فيها أين ذهب، حتى أراهم نفسه مختبئا في موضع من مخزن حمام .
وهذه المدة تكفي للسفر على بريد ذلك الوقت إلى حلب ثم العودة إلى قونية.
فإذا ربطت روايات الأفلاكي عن اختفاءاته برواياته الأخرى التي فيها ذكر جيئات الجلال الرومي إلى الشام، وروحاته لها، لتبدّى لك أمر ممكن حدوثه، فسترى أنه كان قد سافر إلى حلب أوائل سنة 658هـ ، أي قبيل اجتياح المغول لها.
تقول الرواية : ( نزل بمولانا ذات يوم نازلة من عالم الغيب، فاعتراه لذلك حال، فجعل يلوث عمامته المباركة كالأعراب ( لاحظ التخفي والتنكر ) ، ويربطها تحت عنقه ويتنقل بهيئته هذه أربعين يوما، وإذ به ذات يوم طلع علي، والعرق يتصبب منه ، وقال : أسرج لي تلك الفرس. فجهزناها له بعد عناء كبير ، وجئت بها إليه، فركبها واتجه من فوره إلى جهة القبلة (يعني الشام)، وكنت قد سألته : هل يرافقك عبدك ؟ فقال : كن معي بهمتك ! ثم إنه عاد بليل، وقد لثه غبرة وأتربة، وفرسه منهوكة ، ثم إنه ذهب في اليوم التالي كذلك، وكان قد طلب فرسا أجود من الأولى، وعاد عند صلاة المغرب، وقال عند عودته في اليوم التالي، وهو رخي البال جذلان بيتا بالفارسية معناه :
بشرى لك أيتها الجموع الرافلة في الوحدة
لقد ولّی كلب النار، إليها قد رجَع.
ثم أخبر الراوي أن القوافل جاءت بأخبار مفادها أن المغول قد شددوا من حصارهم على قلعة دمشق، وأنهم استولوا على حلب، وأن هزيمتهم التي كانت في عين جالوت. وإن لم يسميها . كانت بسبب مشاركة الجلال الرومي في المعركة، وقال : إن أهل دمشق قد رأوا الجلال الرومي بأم أعينهم، وأنه إنما أتى لنصرة جيش الإسلام، وأنه من كسر جیش المغول حتى فرقهم شذر مذر
فأنت ترى تفسير الراوي للرحيل عن قونية في تلك الأثناء، وتعليل سفره إلى الشام كيف نقلوه إلى القونويين، ليكون في صورة «كرامة » بينما الحقيقة هي "عمالة" .
وكذا رواية الأفلاكي الأخرى التي يخبر فيها أن الجلال ضرب بجمع يده على أذن سائق إبل القافلة ضربة أسقطته من فوق جمله على الأرض، وذلك حين أراد أن يريح إبله في موضع، مع مخالفة الرومي لذلك وإصراره على طلبه، وقال له بعد أن جد في السير إلى غير ذلك الموضع: « أيها الأحمق !! إن لم تشفق علينا، فهلا رحمت إبلك ؟ فما كان ذلك الموضع مرعى لها، وستكون هذه
الليلة محط رحال عسكر المغول الذين سيجعلون عالي تلك النواحي سافلها !! »
وأخبر الراوي أن ذلك الموضع كان موضع استراحة لجيش المغول الذين اجتاحوا حلب.
ومما يؤكد لك أن الجلال الرومي كان في حلب قبيل اجتياحها هذه الرواية التي « أهداها » الأفلاكي بتقييدها في كتابه للتاريخ عبرة ! فاقرأها، واحمد الله تعالى أن جعل في أهل البدع من ينقل فضائح متبوعه على سبيل المناقب، وهو لا يشعر، فهذا الأفلاكي ضریب ابن السراج الدمشقي، لكنه نسخة بالفارسية !
ولكن قبل أن أنقل لك الرواية لا أجد مندوحة عن إيراد سؤال يرد على ذهن الباحث، وهو:
هل جاء الخفير جلال الدين الرومي إلى الشام باستدعاء من المغول لاستلام فرمان - مرسوم - تعيينه شیخ شیوخ الأناضول ولبسه خلعتها من يد هولاكو ؟
قال الراوي : « حكی خادم « مولانا » كمال الدين التبريزي قال : كنت في حلب مع مولانا - فمكثنا فيها بضعة أيام - فذهبت يوما إلى بقال في السوق لأشتري شيئا، فإذا بالبقال يشتمني ، فحزنت، ورجعت، وأخبرت مولانا عن سوء معاملة أهل حلب للغرباء، فتكدرت نفس مولانا، وحنق على أهل حلب، ثم قال: يجب أن نترك هذه البلدة لأن جيش المغول في الطريق إليها، فما لبثنا أن تجهزنا، وخرجنا منها قاصدين إلى دمشق، وإذا الخبر يبلغنا من خلفنا : قد دخلت عساكر المغول إلى حلب. (قال الراوي): وقطّع المغول ذلك البقال الحلبى قطعة قطعة !».
قال أبو الفضل القونوي : للمرء أن يسأل : ماذا يفعل إنسان ذلك الزمان، وقد بلغته أفاعيل جنود المغول بالبلاد والعباد، حين يسمع أن عساکرهم يتجهون جنوبا إلى دمشق إلا أن يدفعه الخوف على حياته إلى البعاد من فوْره من طريقهم ومن مقصدهم وذلك بالرجوع لبلده ؟ فإذ لم يفعل، فحكم العقل أنه كان في مأمن منهم، إما بكونه كان أحد « أعضاء الهيئة الرسمية التي خرجت مع السلطانين : عز الدین کیكاوس، وأخيه ركن الدين، وأمرائهما، للانضمام لهولاكو انصياعا لأمره لهما بأن يكونا معه ، أو أنه خرج بأمرهم كالطليعة، أو فبإذن سابق، " فرمان " كان يحمله، كغيره ممن ذكرتهم المصادر، فلذلك كان رخي البال يرتحل ارتحال الآمنين.
وعلى ذلك فليست إجابة سؤال من يسأل : من كان يخبر الجلال الرومي بتحركات جيش هولاكو ؟ بالأمر الصعب، فإنه يقال في جوابه : إنهم المغول أنفسهم، وأعوانهم من مريدي جلال الدين الرومي. ويكفي أن تعرف أن باني قبة قبره - فيما بعد- الأمير علم الدين قيصر الموصلي، كانت له، ولنفر آخرين، دور في حلب حماها لهم المغول، براياتهم السوداء، وجميع من دخلها، يوم مذبحة حلب، وقد وصفت المحبة التي كانت بين علم الدين وبين الجلال الرومي بأنها محبة عظيمة، وهو ممن مدحه ابن الجلال المعروف ب (سلطان ولد) في ديوانه.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar