بسم الله الرحمن الرحيم
مبادئ القلندرية
ومن مبادئهم الفقر والتجرد كما مر بك ذكر ذلك، وهي مستقاة من رهبان البوذيين وأضرابهم، ومستعارة منهم أيضا، فتجد من زعم التجرد يترك كل مظاهر طيبات الحياة الدنيا التي أباحها الله لعباده، سوى ما يسد به رمقه ويبقيه حيا ، والفقر لديه هو ترك كل ما يحتاج إليه من زواج وطلب رزق، وباختصار من القول، فإن الفقر والتجرد عند الصوفية هي الموجودة عند القلندرية ولكن بتطبيق أشد غلوا وأكثر جهلا .
ذكر الخطيب الفارسي وهو قلندري سكن دمشق أيام ابن تيمية والذهبي فيما يبدو، ذكر في مصنفه في مناقب الجمال الساوي قصة بعنوان " در صفت فضیلت فقر" حشد فيه دعاوى الصوفية في الفقر، واحتجاجهم بالمكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل: الفقر فخري ودندن حوله مديحا فارغا تلقاه في كل كتب القوم.
ومن مبادئهم التي هي كالعقيدة لديهم : القول بالملامة، وقد تقدم ذکر تعريفها
ومن مبادئهم عبادتهم للجمال البشري وما تبع هذين من ارتكابهم لفظائع في أنفسهم وفي المجتمع.
ومن مبادئهم الأخرى التي لا ينبغي لك أن تغفلها، والتي هي مبنية على وجوديتهم وحلوليتهم، ورأيهم في الملامة، واقتفائهم سنن الصوفية المعروفة اقتفاء غائرا في الجهل والحمق، من خليط ذلك كله: حلقوا الشعور، وأطال بعضهم الشوارب، وتعروا إلى أن تظهر عوراتهم حينا، ولبسوا الدلوق، ولا يسمی لباسا، ووضعوا حلق الحديد والسلاسل في أعناقهم وأيديهم ومواضع أخرى من أجسادهم، ودخلوا النار ولعبوا بالأفاعي، وتعلموا السحر، وتكلموا بالكفر وفاحش القول، ثم زنوا ورقصوا وغنوا في سماعهم، وكان أكثرهم من السدوميين يتتبعون الملاح من المردان لفعل الفاحشة بهم.
واعتزلوا الناس، وتركوا مسؤوليتهم تجاه مجتمعهم، وساحوا في البلاد، وشحذوا الناس الدرهم واللقمة، وعدوا ذلك من لازم افتقارهم وتجردهم حتى عند سكناهم المدن التي فيها زوایا لهم وقفت لها الأوقاف
وكان من الطبيعي أن يشترطوا کون الملتحق بهم عزبا، إذ حياتهم التي وصفت لك لا تسع أن يبنى فيها الفرد القلندري أسرة، وكيف تكون أسرة والرجل منهم يؤاخي بين نسائه - إن كان عنده نساء - وبين أجانب من أضرابه، هذا فضلا عن تركهم لما افترضه الله تعالى من صلاة وصوم
وكانوا حثالة مجتمعاتهم، يعتنقون أخبث ما تفتّق به الفكر الإبليسي "وحدة الوجود" واحتموا بالتصوف الذي ساعدهم على هذا الاحتماء بعض أهله فقالوا: دعوهم وشأنهم، هؤلاء فقراء يسلم إليهم حالهم !!
وكان كل داعر وفاسق، وعبد آبق أو تاجر أفلس وعليه حقوق الناس، ومن ترقب اعتداء أو اغتيالا من الداخلين في السياسة، وكل مطرود ومطارد، مرشحا لكي يكون مريدا في هذه الزمر إذ يجد الملجا فيها میسورا.
قال المؤرخ المشهور فؤاد کوپرلي: «كان الذي يروم التخفي لسبب ما من الأسباب يحلق شعر رأسه ولحيته وشاربه وحاجبيه، وتطلق المصادر الفارسية على هذا الصنيع: دخل فلان في لباس القلندرية» وتقول المصادر العثمانية «ادخل في ثياب الأبدال»،
وهو ما يرد في المصادر العربية من قولهم ألبس زي الفقراء، ويحتمل أن يكون من وصفوا بالمكدين من فقراء العجم من القلندرية أيضا.
وممن يمكن أن يعد مثالا لما سبق : محمد بن بكتوت (ت۷۳۰هـ) ذلك الخطاط اللاهي الداعر، فقد ساقه رأيه إلى أن ينضم إليهم في حلب، التي أخبرنا سبط ابن العجمي (ت 884 هـ ) أن بها زاوية لهم خارج بانقوسا، جنب الحوض الكبير، وأن عليها وقف بقرية عين أرزة، وقال : ولعلها من إنشاء طغرلبك (ت 631 هـ ) فلعل انضمام محمد بن بکتوت إليهم كان فيها، لكنه يبدو أنه كان غير جاد في قلندریته لأنه انتهك مبدأ من مبادئهم بإصراره على حرفته التي برع فيها وهي النسخ، فنبهوه أن هذا مخالف لطريقتهم، فلم يحفل بما قيل له وحاججهم، فتحداه قلندري أيهما يبقى في بركة ماء باردة أطول مدة فغلبه ، ثم سابقه آخر أيهما يأكل الحشيش أكثر، فلما أكلا منها غلب ابن بكتوت وتسبب في موت الذي سابقه ، فطردوه من زاويتهم.
أما عن التخفي في زيهم، فلقد كان ذلك معروفا عند رجال الدولة والسياسة في تلك الحقب، فلقد ألقي القبض على فقير بماردين سنة 760هـ ظن أنه نائب سلطنة مملوكي هارب، وكانوا قد شبهوه بالقلندري من بعض الوجوه ، فلو لم يكن الفقير محلقا لما وقع هذا الالتباس في رأي.
ولجا إلى هذا التخفي أمير تركماني كان متهما بالزندقة هو أصبهان بن قرا يوسف (ت 841 هـ ) وذلك حين احتال لاقتحام بغداد سنة 836هـ ، بأن بعث أربعين من رجاله قد حلقوا تحليق القلندرية إليها، فدخلوها بهذه المكيدة ونجحوا في مهمتهم كما انضوى إليهم من يترقب اعتداء أو اغتيالا مثل رجل من آل بيت إمارة استولى عليها الصفويون.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar