بسم الله الرحمن الرحيم
أوائل القلندرية الناهضون بها
خلفاء جمال الدين الساوي
نقل صاحب (فسطاط العدالة) أنه بعد مكث له طويل بمقبرة بلال الحبشي انضم إليه أربعة نفر هم: محمد البلخي، ومحمد الكردي، والشمس الكردي "التبريزي" ، وأبو بكر النكساري، حلقوا مثله ولبسوا الجولق على يديه .
ويورد صاحب مناقب الساوي اسم مريد له لا يذكر من أمره إلا اسمه وهو : أبو بكر الأصفهاني ويحتمل أنه النكساري نفسه .
و جلس في المشيخة بدمشق بعد الساوي : جلال الدين الدرگزینی
أما أبو بكر النكساري (كان حيا سنة 672 هـ ) فقد ترك دمشق - كما نقل صاحب الفسطاط ، وأتی قونية، واستقر بها، واتخذ لنفسه هناك زاوية، وله حوله جماعة من المریدین وقبره بها بمحلة اسمها الآن: قلندر خانه.
ونال المشيخة بعد الدرگزینی في دمشق: محمد البلخي . قال الذهبي: وهو من مشاهير القوم، وهو الذي شرع لهم ( لبس) الجولق الثقيل، وأقام الزاوية القلندرية وأنشأها. وفي أيامه كثر عددهم
وقد ذكر مصدر فارسي أن محمد البلخي كان من أثرياء أهل بلخ قصد دمشق من بلده بنية الالتحاق بالصوفية.
وقد ذكر صاحب هذا المصدر وهو المعروف بالخطيب الفارسي (كان حيا سنة 748هـ) أن من شرع لهم لبس الجولق هو الجمال الساوي وليس محمد البلخي كما أورد ذلك الذهبي، كما أنه شرع لهم التحليق المسمى بالفارسية (جهار ضرب).
ولا يعرف من ترجمة الخطيب الفارسي الذي هو قلندري في الوقت نفسه إلا نُبَذْ أوردها في كتابه (مناقب جمال الدين الساوي)، وهي أنه شيرازي خرج منها، وساح في البلاد مبتغيا أجوبة لأسئلة في صدره قد حيرته ، حتى أتى دمشق، ونزل بقبة زينب بنت زین العابدین، عند شیخ قلندري بها يقال له: محمد البخاري، الذي حثه على تأليف كتاب يجمع مناقب زعيم كبير للقلندرية مثل الساوي ، فكان كتابه مصدرا مهما جدا في التأريخ لهذه الطائفة.
ابن المَرَه
وفي الاحتمال أن يكون من ذكره ابن المستوفي (ت637هـ) في (تاریخ أربيل) من خلفائه أيضا، فقد ذكر أنه ورد عليهم بأربيل شاب من أهل بغداد اسمه : أبو نصر محمد بن عمر بن أبي الفتوح بن أبي المظفر بن أبي الفرج بن أبي الغنائم ابن المَرَه. كان يتزيا بزي القلندرية، ويلبس دلقة مضرية، وعلى رأسه من جنسه، ولحظ ابن المستوفي الذي جالسه برباط المنظرة، بأنه كان يدعي معرفة كل فن، وأردف قائلا: «ولا تُصدَّق دعواه» وذكر أنه يميل إلى القول بالنجوم والعمل بالاصطرلاب، وكان يصنع الوقوف (جمع وقف، وهو الخلخال من الفضة أو جلد السلحفاة)، فذكر أنه صنع منها مئة عدد في مثله، وبدا جليا أن ابن المستوفي كان من هذا القلندري على ريبة فيما يسمع منه وتحفّظ ، فقد استبعد أن يكون إخباره عن نفسه حين قدم أربيل أنه في الثالثة والعشرين من العمر صحيحا.
ساله ابن المستوفي عن نسبة "ابن المَرَه " التي يعرف بها، فقال: لا يمكن ذكر معنى ذلك !! وختم ترجمته بما شهرت به القلندرية حين قال : وحدثت عنه بأشياء أضربت عن ذكرها لقبحها ..
فابن المَرَه كان معاصرا للساوي فإلا يكن أحد خلفائه ، فهو من بعض مريديه لأن الساوي كان في ذلك الوقت كبير القلندرية
ذكر ابن المستوفي أنه ورد أربل في صفر سنة 619هـ، وعمره قد جاوز الثالثة والعشرين - في رأي ابن المستوفي - وهي السن التي عرف القلندرية بتصيد الشباب فيها، وأنه نزل برباط المنظرة، ويفهم من هذا احتمال کونه رباطأ قلندریا باربل .
ولم تطل إقامته بها أكثر من شهرين حيث سافر في سابع عشر شهر ربيع الأول، ثم إنه رجع إليها بعد سنة في ربيع الأول سنة 620 هـ وقد بدا أن تغيرا قد طرأ عليه حين شوهد وقد نزع عنه لبسة القلندرية وارتدي ثياب الفقهاء، ثم إنه سافر ذلك العام، وجاءها أخرى سنة 621 هـ ، ثم فارقها في رجب من السنة المذكورة، وإلى هنا انقطع خبره عند ابن المستوفي.
فهل كان ابن المره من خلفاء الساوي أو من مريديه ؟ أم هو شاب طائش مغامر مثل ابن بكوت القلندري سلك مسلكهم ثم كف و ارعوى أو اعترض على أمر منهم فطردوه ؟ أم هو من بعض جواسيس الناصر العباسي زعيم الفتوة الصوفية وقتها وأمثاله ؟
غموض يعطيك خبر هذه الفرق في كيفية التقلب والترحال واختراق المدن والمجتمعات
وكما قلنا لك أن الساوي هو مؤسس لفرع الجولقية من القلندرية، وأنهم كانوا يوجدون أكثر ما يوجدون في الأناضول، وقد سمّوا بهذا الاسم نسبة إلى الجولق الذي يلبسونه، أو على رأي المؤرخ التركي عبد الباقي کولپینارلي : إلى جلقهم (بالجيم) شعر رأسهم أي حلقهم إياه.
وفي معلومة قصيرة ذكرها ابن كثير عن الساوي نرى إثبات مصدر عربي لتلك التسمية وهي قوله : ومن عِندهم - أي جماعة عثمان الرومي - خرج الشيخ جمال الدين محمد الساوجی، وحلق ودخل في زي الجوالقية، وصار شيخهم ومقدمهم
وقد ذكر ابن خلكان (ت 681 هـ) أنه رأى بمصر جماعة من الفقراء الجوالقية، وبالرجوع إلى تاريخ تأليفه للوفيات وترتيبه مصنفه ذاك نجد أنه شاهدهم في حدود سنة 654هـ ومن المحتمل أن يكونوا من مريدي الجمال الساوي.
وقد تستخدم لفظة الجوالقية مرادفا للقلندرية كما فعل المؤرخ ابن الجزري (ت ۷۳۸هـ) عند وصف قبة القلندرية وزاويتهم التي بباب الصغير بدمشق بقبة الجوالقية.
ومن شواهد توافرهم في الأناضول ذكر صاحب المثنوي لبعضهم في قصصه عند قوله: وفي تلك اللحظة كان جولقي لا شعر برأسه كأنه قاع طست أو طاس يمر
وينقل صاحب (فسطاط العدالة) أن مريدي الجمال الساوي الأربعة المارة أسماؤهم آنفا تولوا نشر الجولقية في الأصقاع ، وأن الأموال كانت تُجبى لمريده أبي بكر النكساري في قونية من جولقية البلاد المختلفة .
وقد جاء إلى مصر جولقي يحتمل أن يكون من مريدي النكساري، هو حسن الجوالقي القلندري (ت ۷۲۲هـ) وأنشأ في القاهرة زاوية لهم، وكانت خارج باب النصر من الجهة التي فيها التُّرَب والمقابر التي تلي المساكن
ووصف أنه على رأي الجوالقية، وكانت له منزلة عند المماليك، فأثرى ثراء زائدا، وربما سفر لهم ( صار سفيرا ) وأرسلوه في مهمات رسمية وأنعموا عليه مرة بألف دینار فجمع الفقراء (القلندرية) والناس ، وعمل وقتا عظيمة بزاوية على الحريري خارج دمشق، وذكروا أنه ترك حلق لحيته وتعمَّم قبل موته ولكن لا يدرى أكان تركا شاملا لكل جوانب قلندریته أم لا.
لقد كان جهل بعض السلاطين بأحكام الشريعة الإسلامية ، من عوامل تكاثر زمر القلندرية وكانوا إذ يعظِّمون أشياخ هؤلاء المبتدعة يعتقدون في قرارة نفوسهم أنهم إنما يعظمون بعض أولياء الله تعالى، وعلى هذا فكان مألوفا في ذاك العصر أن توكل إلى المنتسبين إلى هذا الاتجاه من التصوف المنحرف الوظائف المحترمة كما أوكلت إلى قلندري يعرف بشرف الدين قلندر إمرة ركب الحاج أيام أبي سعيد سلطان المغول بالعراق.
وما زالت الزاوية المذكورة منزلا لطائفة القلندرية الجولقية ولهم بها شیخ، وفيها منهم عدد موفور حتى تنبه سلطان مملوكي لضلالهم أو تم تنبيهه على ذلك، فعمل جهده في التصدي لمناسك الأعاجم هذه
فقد ذكر المقريزي (ت ۸45هـ) أن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون (ت ۷۹۲هـ) أنكر في دعوة عامة على شيخ الجولقية حلقه لحيته واستتابه من لبس زيهم المبتدع وكتب إلى بلاد الشام بإلزام الجولقية هناك بما ألزم به شيخهم بمصر وأمر بمنع جولقية الأصقاع من دخول مملكة المماليك إلا أن انقلابا بعد شهور قليلة ذهب بالفرمان و صاحبه أدراج الرياح.
وهكذا في غياب العلم الشرعي، وإغفال كثير من أهل العلم خطر هؤلاء عن ولاة الأمر الذين يزع الله بهم ما لا يزع بالقرآن، انتشر القلندرية بأنواعها في شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها حتى إنهم وصلوا إلى المدينة النبوية .
فقد كتب ابن فرحون التونسي المدني (ت۷۹۹هـ) في تاريخه أن رجلا من أهل الروم (الأناضول) يقال له: إبراهيم العريان (ت۷۳۰هـ) لازم المدرسة الشيرازية بالمدينة المنورة، وكان عريانا أبدا، صيفا وشتاء، في وسطِه بلاس - وهو کساء شعر - وعلى رأسه قبع صوف. ومن عجب أنه كان ذا مال ( لعله مما جمع بالشحاذة) فقد اشتری نخلا وأوقفه على مدرسته التي سكنها، وكان لا يعاشر إلا بالملاطفة لقوة أخلاقه (أي لسوئها).
وأخبر عن آخر سكن رباطة من أربطتها يقال له : قاسم التكروري (ت 749هـ) كان لا يترك السياحة في الجبال والبرية (وهذه من مبادئهم التي يشترطونها لينفذوا في أسرار الحكم الإلهية بزعمهم) ولا يأتي البلد إلا من الجمعة إلى الجمعة، ويقتات البقول، ويتبع مجتمعات الماء التي فيها بعض أنواع السمك ويصيد منها. وكان في عنقه غل ثقيل نهاه الناس عنه لمخالفته السنة، فترك ذلك بعد مدة، ومات بخليص
Tidak ada komentar:
Posting Komentar